محمد طاهر الكردي

457

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

شانتك منه شانية أو رابتك منه رابية ، وعليك منهم بما تخلق بخلق الحياء والورع وأخذ بالقول الذي على مثلها فاشهد أو فدع . وأما الوصية الرابعة فإنها مقصورة على كاتب الحكم الذي إليه الإيراد والإصدار وهو المهيمن على النقض والإمرار ، وينبغي أن يكون عارفا بالحلي والوسوم والحدود والرسوم وأن يكون فقيها في البيوع والمعاملات والدعاوي والبينات ومن أدنى صفاته أن يكون قلمه سائحا ، وخطه واضحا وإذا استكمل ذلك فلا يستصلح حتى يكون العفاف شعاره والأمانة عياره والحفظ والعلم سوره وسواره وهذا الرجل إن خلوت به فامض يده فيما يقول ويفعل واستتم إليه استتامة الواثق الذي لا يخجل واللّه يختار لنا ذلك فيما بيناه من المراشدن ويجعل أقوالنا ثمارا يانعة إذا كانت الأقوال من الحصائد . وبعد أن بوأناك هذه المكانة وحمّلناك هذه الأمانة فقد رأينا أن نجمع لك من تنفيذ الأحكام وحفظ أصولها وأن لا نخليك من النظر في دليلها ومدلولها فإن الترك يوحش العلوم من معهود أماكنها ويذهب بها من تحت أقفال خزائنها ومنصب التدريس كمنصب القضاء أخ يشأ من عضده ويكثر من عدده فتولى المدرسة الفلانية عالما إنك قد جمعت بين سبعين في قراب وسلكت ياسين إلى تحصيل الثواب وركبت أعز مكان وهو تنفيذ الحكم وجالست خير جليس وهو الكتاب . ونحن نوصيك بطلبة العلم وصيتين ، إحداهما أعظم من الأخرى وكلتاهما ينبغي أن تصرف إليهما من اهتمامك شطرا ! فالأولى : أن تتخولهم في أوقات الاشتغال وتكون لهم كالرائض الذي لا يبسط لهم بساط الراحة ولا يكلفهم مشقة الكلال ، والثانية : أن تذر عليهم أرزاقهم ذرار المسامح وتنزلهم فيها على قدر الإفهام والقرايح وعند ذلك لا تعدم منهم منبع في كل حين ، ويسر في حالتيه من دنيا ودين واللّه يتولاك فيما ينويه صالحة ويوفقك للعمل بها لا لأن يكون في قلبك سانحة . وقد فرضنا لك في بيت المال قسما طيبا مكسبه هنيئا مأكله ومشربه لا تعاقب غدا على كثيره وإن حوسبت على فتيله ونقيره والمفروض في هذا المال ينبغي أن يكون على قدر الكفاف لا على نسبة الأقدار ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال اللّه ومال رسوله ليس له في الآخرة إلا النار والدنيا حلوة خضرة تلعب بذوي الألباب وعلاقاتها بتجدد الأيام فلا تنتهي الآراب منها إلا إلى آراب ومن